أبي يتعامل معي بقسوة وجفاء حتى صرت أكرهه، فهل أنا عاقة؟

السؤال:
السلام عليكم.

أنا طالبة جامعية سنة أولى، والدايّ منفصلان، أعيش مع أمي وأخي، أزور أبي مرة في الأسبوع، رغم ذلك يعاملني بقسوة ويشتم أمي حتى أصبت بالانهيار العصبي، وقررت عدم زيارته.

الجامعة بعيدة عن البيت، فقررنا استئجار منزل قريب من الجامعة، وأخبرت أبي بذلك، فغضب وطلب مني أن أعيش معه، وعندما جادلته بحقي في اختيار المكان الذي أعيش فيه، هددني أنه سيتبرأ مني أمام زملائي في الجامعة.

أعاني من نوبات قلق واكتئاب وأفكر في الانتحار كثيرا بسبب أبي الظالم الذي يريد أن يدمر مستقبلي، فهو يخشى عدم زواجي في حالة العيش بعيدا عنه، وأنا أريد أن أكمل دراستي، أكره أبي وأهله، فهل أنا عاقة؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ . حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

- فبخصوص سؤالك – أختي الفاضلة – فإني رغم تفهّمي لمشكلتك وتعاطفي معكِ وإعجابي بحسن خلقك ورهافة مشاعركِ وأحاسيسكِ الطيبة, إلا أنني أدعوكِ إلى التوازن والاعتدال في هذه المشاعر وعدم المبالغة فيها, وإدراك أن البلاء سنّة إلهية كونية تجري على الخلق كلهم مما يستلزم معهم الصبر على البلاء والشكر للنعماء والرضا بالقضاء والصبر على هذه القسوة والجفاء من أبيك -غفر الله له-، فمهما كان الإنسان طيباً بل وباذلاً ومضحياً من أجل إسعاد الآخرين, فلا بد أن يجد من يكرهه بل ويعاديه من أهله وأقاربه بصورة أو أخرى, وهذا أمر قديم قدم خلق البشر, فقديماً عادى (آزر)ابنه إبراهيم -عليه السلام-, وقال له (أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنتهِ لأرجمنك واهجرني مليا)، فرد عليه نبي الله -عليه السلام-: (سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا), وكذلك فقد قتل قابيل أخاه هابيل (فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله)، وألقى إخوة يوسف أخاهم يوسف في غيابة الجب (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم)، وكما فعلت بعض قرابة النبي -صلى الله عليه وسلم- به في تكذيب نبوته ومحاربته.

- لا شك – أختي العزيزة – أن الله تعالى قد أنعم عليك بوجود الوالدين وحضانتهما لك في النفقة والرعاية, وأن لك ولوالدتك الحق في الانتقال قرب الجامعة للمصالح المعروفة, ولا يجوز لوالدك – غفر الله له – منعك من ذلك لعدم وجود المبرر الشرعي, إلا أنه لا يجوز لك المبالغة في القلق لمجرد هذه المضايقات لاسيما مع بلوغك المرحلة الجامعية وفقكِ الله وأعانك.

- ولا شك أن كره الوالد لابنته من أعظم المصائب الجالبة للمتاعب, وهو أمر محرّم على الوالد شرعاً – غفر الله له – إلا أن المنبغي على العاقل محاولة التفهم لجذور وأصل هذا الخلل النفسي الحاصل؛ وذلك لمخالفته بالأصل لمقتضى الفطرة والطبيعة الإنسانية, فلا يخفى عليك أن بعض الآباء لا يحسنون التعبير عن مشاعرهم لكثرة مشاغلهم أو كثرة الضغوط عليهم فربما كان ناتجاً عن ضغوط وأزمات نفسية أو اقتصادية واجتماعية, أو عن سوء التربية الأسرية, وضعي في الاعتبار أن سوء المعاملة لا تستلزم الكراهية والعداوة، بل تكون أحياناً لغلبة الطبع وإثبات فرض الشخصية، والشعور بمتعة ونشوة السخرية والسب وسلطة القيادة, وربما كانت الكراهية بسبب وشاية كاذبة أو معلومات خاطئة أو تفسيرات وهمية لقول أو سلوك بطريقة غلب عليها سوء الظن أو سوء الفهم أو نحوه, مما يستلزم منك الآتي:

1- الدخول مع أبيك في حوار هادئ, فافتحي قلبك له واطلبي سماعه لشكواك بأسلوب خلوق ومهذب وانتقاد مؤدب ومتزن - ولكل إنسان الأسلوب المناسب له – بعيداً عن عوامل التشنّج والعصبية والجدال مع اختيار الزمان والمكان المناسبين, مع ضرورة الأخذ بالاعتبار ردّة فعله القاسية؛ مما يحتّم عليك التعامل مع ما سيورده عليك بأريحية تامة.

2- ويمكنك الاستعانة بمن ترين فيه الأهلية والكفاءة العلمية والأخلاقية من الأهل والأقارب المؤثرين والمعتبرين لديه لإزالة الشبهة وإقامة الحجّة، وتذكيره بواجب عطف ورحمة الأبوّة وصلة الرحم وإصلاح ذات البين.

3- الحرص على تداركك لما يمكن أن يصدر منك من أخطاء ولو يسيرة، ربما كان والدك يحملها بمبالغة منه وتضخيم وحساسية مفرطة لاسيما مع ما ذكرت من أمر طلاقه من والدتك, حيث قد يؤدي الطلاق إلى ضغوط نفسية عليه وتوهم انحيازك لأمك وعدم تقديرك له, مما يستلزم ضرورة التخلص منها لإزالة الشبهات ما أمكن بالبعد عنها والاعتذار منها.

4- الحرص على حسن التعامل معه بما يوجب احترام حقّه الأبوي وشخصيته ورضاه, والتماس تقديم الخدمة له فيما يهمّه من ذلك ويجلب وده ومحبته واحترامه, وهذا واجب شرعي وأخلاقي أولاً, ثم لا يضيرك - إذا أرضيتي ضميرك بأداء واجبك الشرعي - ما قد يكون من تقصير الآخرين تجاهك.
على العبد أن يسعى إلى الخير جهده ** وليس عليه أن تتم المقاصد.

5- ضرورة التحلي بالثقة في نفسك والاحتفاظ بشخصيتك أيضاً ومكانتك واحترامك في حدود اللطف منعاً من زيادة أذاه - هداه الله -. فإن لم يستجب فالواجب الصبر والتحمل, حيث لا يجب أن يكدّر صفو حياتك واستقرارك, ولا يؤثر سلباً في إكمال دراستك والمضي قدماً في نجاحك وسعادتك, ولا تقلقي على مستقبل زواجك, حيث يمكن انتقال ولاية النكاح إلى من بعد الأب من الأقارب, وذلك إذا ثبت لدى القاضي تعسّف الأب وامتناعه عن تزويج ابنته لغير عذر شرعي, وهو ما يُعرف شرعاً بـ (العضل) الأمر الذي سيسهم – بإذن الله – في إحراجه ودعوته لإعادة النظر في معاملتك بمقتضى واجب الأبوة والمحبة والاحترام.

6- ومما سيخفف من حدّة الضغوط النفسية والسلبية عليك الإقبال على الله بالطاعة والذكر وقراءة القرآن واللجوء إليه بالدعاء ولزوم الصحبة الطيبة, والتنفيس عن النفس بمزاولة الرياضة والثقافة والنزهة المباحة ومتابعة دراستك الجامعية والبرامج النافعة والمفيدة.

هذا وأسأل الله أن يفرّج همك، ويشرح صدركِ، ويتولى أمركِ، ويعينك على مصالح دنياك ودينك، ويرزقك التوفيق والسداد والهدى والخير والسعادة والرشاد, إنه سميعٌ عليم غفورٌ رؤوفٌ رحيم برٌ جوادٌ كريم.


اسلام ويب أستشارات طبية
هنا طبيبك
شاركه على جوجل بلس
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق